القرطبي

69

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

مع الأب وأن الابن يحجب أباه . وأنزلوا الجد بمنزلة الأب في الحجب والميراث إذا لم يترك المتوفى أبا أقرب منه في جميع المواضع . وذهب الجمهور إلى أن الجد يسقط بني الاخوة من الميراث ، إلا ما روي عن الشعبي عن علي أنه أجرى بني الاخوة في المقاسمة مجرى الاخوة . والحجة لقول الجمهور أن هذا ذكر لا يعصب أخته فلا يقاسم الجد كالعم وابن العم . قال الشعبي : أول جد ورث في الاسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، مات ابن لعاصم بن عمر وترك أخوين فأراد عمر أن يستأثر بمال فاستشار عليا وزيدا في ذلك فمثلا له مثلا فقال : لولا أن رأيكما اجتمع ما رأيت أن يكون ابني ولا أكون أباه . روى الدارقطني عن زيد ابن ثابت أن عمر بن الخطاب استأذن عليه يوما فأذن له ، ورأسه في يد جارية له ترجله ، فنزع رأسه ، فقال له عمر : دعها ترجلك . فقال : يا أميرا لمؤمنين ، لو أرسلت إلي جئتك . فقال عمر إنما الحاجة لي ، إني جئتك لتنظر في أمر الجد . فقال زيد : لا والله ( 1 ) ! ما تقول فيه . فقال عمر : ليس هو بوحي حتى نزيد فيه وننقص ، إنما هو شئ تراه ( 2 ) ، فإن رأيته وافقني تبعته ، وإلا لم يكن عليك فيه شئ . فأبى زيد ، فخرج مغضبا وقال : قد جئتك وأنا أظن ستفرغ من حاجتي . ثم أتاه مرة أخرى في الساعة التي أتاه في المرة الأولى ، فلم يزل به حتى قال : فسأكتب لك فيه . فكتبه في قطعة قتب ( 3 ) وضرب له مثلا . إنما مثله مثل شجرة تنبت على ساق واحدة ، فخرج فيها غصن ثم خرج في غصن غصن آخر ، فالساق يسقي الغصن ، فإن قطعت الغصن الأول رجع الماء إلى الغصن ، وإن قطعت الثاني رجع الماء إلى الأول . فأتى به فخطب الناس عمر ثم قرأ قطعة القتب عليهم ثم قال : إن زيد بن ثابت قد قال في الجد قولا وقد أمضيته . قال : وكان عمر أول جد كان ، فأراد أن يأخذ المال كله ، مال ابن ابنه دون إخوته ، فقسمه بعد ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

--> ( 1 ) قوله : لا والله . أي ليس القول في هذه المسألة الذي ينبغي في هذه الواقعة كما تقول . ( 2 ) قوله : ليس هو يوحى . أي ليس الذي جرى بيني وبينك فيه نص من القران حتى تحرم مخالفته والزيادة فيه أو النقصان عنه . وقوله : انما هو شئ تراه . أي تقوله برأيك وأنا أقول برأيي . ( عن شرح سنن الدارقطني ) . ( 3 ) القتب ( بكسر القاف وسكون التاء وبتحريكهما ) : الأمعاء .